خليل الصفدي
123
أعيان العصر وأعوان النصر
الجهات ، وأخذ له القاضي بدر الدين بن فضل اللّه وظيفة الإفتاء بدار العدل في أيام الأمير سيف الدين طقزتمر . وكان له ذوق جيد في الأدب ، وينظم وينثر في الأدب جيدا ، ولكنه يتخيل في نفسه لما كان عنده من الانجماع ؛ لغلبة السوداء عليه فما يعمل شيئا . وبيني وبينه مكاتبات مذكورة في الجزء الخامس من التذكرة التي لي ، وكتبت أنا إليه ، وأنا بالرحبة : ( المتقارب ) رحلت ، وفي مصر لي سادة * يطول غرامي بهم ، واكتئابي جفوني ، وضنّوا بأخبارهم * فأصبحت أطلبها من صحابي عسى خبر عنهم صادق * أطالعه من كتاب الشّهاب وكتبت له توقيعا فإفتاء دار العدل بدمشق ارتجالا ، وهو : رسم بالأمر العالي المولوي السلطاني الصالحي العمادي لا زال شهابه لامعا ، وسحابه بالنوال هامعا ، وجنابه لأرباب العلم جامعا ، أن يرتب في كذا ركونا إلى ما أتقنه من العلوم ، وسهر له والناس نيام بشهادة النجوم ، وسكونا إلى ما حصله في مذهبه وحرره ، وأوضح دليله بالمباحث وقرره ؛ لأنه المقرئ الذي قتل السبع بدربته خبرا ، ونزل به أضياف التلاميذ ، وكان لهم من السخاوي « 1 » أقرأ ، والنحوي الذي لو رآه الفارسي ترجّل له أعظاما ، ولو شاهده ابن مالك كان له غلاما ، والفقيه الذي لو عاينه صاحب التنبيه غدق « 2 » به هذا الأمر ونام ، ولو نظر الغزالي « 3 » لما كان حاك برود تصانيفه ولا رقمها بالأقلام ، والأصولي الذي لو تصدّى له السيف قطعة بالقول المصيب ، ولو تقدم عصره قليلا قال الناس : ما ابن الحاجب في العين كابن النقيب ، والحبر الذي تتفيأ الأقلام إلى ظل فتاويه ، وتبدو وجوه المذهب وقد نضرها ، كأنها البدر في دياجيه . فليباشر ذلك على العادة المألوفة ، والقاعدة المعروفة مباشرة ، تكون لدار العدل طرازا ، ولذلك الحفل إذا أرشدهم قوله إلى النجاة مجازا ، مبدئا من فتاويه ما يقطع الحجج ، ويقذف بحره الزاخر درها من اللجج ، ويمضي السيف قوله فيقول له الحق : لا إثم عليك ولا حرج ، فرب قضايا لا يكشف قناع إشكالها غير فتواه ، وأمور ينجلي فيها الحق ببيانه
--> ( 1 ) سبق ذكر ترجمة له . ( 2 ) الغدق : الغدق الماء الغدق الكثير وقد غدقت عين الماء أي غزرت وبابه طرب . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 196 ) . ( 3 ) سبق ذكر ترجمة له .